يتساقط الثلج لبضع ساعات٬ أكون فيها نائمة ونافذتي مغلقة. وأستيقظ لأندب حظّي وأتأمّل العشب يكسوه بعض البياض الساحر. أشعر بكثير من الامتنان لشبّاكي٬ وللشبابيك والأبواب بشكلٍ عام. تتغير ألوان أوراق الشجر٬ وأرقب التغير الطفيف من الأخضر للبرتقالي للأصفر في صباح كل يوم. البرد قارس٬ ولا أوراق على غصون الأشجار الآن. أرى عبر شباكي قوله تعالى <ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا>. عادةً أشاهد الفصول والأشجار٬ والليل والنهار٬ والقطارات السريعة٬ والقطارات البطيئة. لكنني لا أرى سوى الحطام هذه الأيام. لن أنسج من خيالي قصصًا حزينة هذه المرة٬ أو حتى قصصًا مفرحة. لن أبتدع الأحداث ولن أسردها. ليس هناك رجل عجوز في مطلع القطار يسافر من شمال المملكة لجنوبها حتى يرى أحفاده وابنه الذي يهاتفه مرتين في السنة. لم يهرع ذاك الشاب إلى أقرب محطة قطار متّجهًا لمقابلة عمل جديد قد ينقذه من ديونه. تلك الشابة في ثالث مقعد لم تستقلّ القطار لتذهب لموعد غراميّ في مدينة أخرى. لم يتلق الرجل الذي يستند إلى الشباك اتصالا يقول إن أباه يحتضر. ذاك الطفل بجانب أمه في زاوية آخر مقطورة لم يتعرّض للتنمّر من أحد زملائه في المدرسة اليوم. يمرّ القطار في لحظات. ليتك تكفّين عن الدراما٬ سارة. يركب الناس القطار للعمل كلّ صباح٬ ويعودون لمنازلهم عند الخامسة؛ هذا كلّ ما في الأمر.
كان اللورد بايرون -أحد شعراء التيار الرومنطيقي في الأدب الإنگليزي- مُحبًا للحيوانات. وفي بدايات القرن التاسع عشر عندما بدأ دراسته في كيمبريدج٬ لم يكن اقتناء الكلاب مسموحًا في كلية الثالوث (واحدة من أقدم كليات الجامعة) فرفضوا إدخال كلبه. ابتاع عندها دُبًّا (نعم٬ دُبّ) وأتى به إلى حرم الكلية٬ محتجًّا بأن قوانين السكن منعت الكلاب لكنها لم تأت على ذكر الدببة. في أواخر نوڤمبر من كل عام٬ وقبل انتهاء الفصل الدراسي الأول وعودة الطلبة لقضاء إجازة عيد الميلاد مع ذويهم٬ يحتفل طلاب البكالوريوس في المدينة بما يطلقون عليه اسم <البريدجماس> وهو يوم سابق للكريسماس بشهر تقريبًا٬ يوم غريب ابتدعه طلبة كيمبريدج تحديدًا. في ليلة رأس السنة٬ أسمع القليل من المفرقعات ليلًا. لكن في الثاني أو الثالث من يناير عند السابعة مساء٬ تخترق أذني أصوات المفرقعات والألعاب النارية. الفصل الدراسي يبدأ يوم ثلاثاء وليس اثنين٬ إلخ إلخ. نشرت الچارديان مقالة منذ سنوات يصنّف كاتبها كيمبريدج على أنها واحدة من أغرب خمس مدن في بريطانيا. تُسلّيني غرابة هذه المدينة وعشوائيّة ساكنيها. عشوائية تشبه سؤال بابا لي عند كل مكالمة٬ أيّا كان الوقت: صلّيتي؟ أو سؤال چيسته لي مثلًا: هل تشربين الشاي مع سكر؟ في الوقت الذي نعدّ فيه القهوة.
أحبّ چيسته٬ رفيقتي في السكن٬ وواحدة من ثلاثة أشخاص يكترثون لأمري في هذه المدينة. چيسته ذكيّة٬ وفنّانة٬ وتكره الإنجليز٬ ودمها خفيف. لكنها ليست تاج. ليست حنان. ليست أروى. ليست سميّة. ليست… حسنًا٬ چيسته لديها غمّازات٬ وتتحدث ثلاث لغات بطلاقة٬ وتناديني <سارة> وليس <سيرا> كما يناديني الجميع هنا. تهاتفني في إجازة الكريسماس من بلدها الأمّ: <أكره ليتوانيا. الناس فقراء. البلد فقيرة. كيمبريدج بغيضة لكنها أقل بؤسًا.> جاءت چيسته من ليتوانيا إلى لندن وحدها قبل عشر سنوات٬ ولم تكن قد بلغت عامها الثامن عشر بعد. أُثني عليها في إحدى المرات: <أنتِ جريئة وشجاعة وتستطعين التحدّث إلى أي شخص.> تُقاطعني: <لندن بروك مي٬ سارة>[لندن حطّمتني]. <كنتُ مراهقة وحمقاء وفقيرة. كان عليّ أن أتحلّى بالقوة والشجاعة وإلا كنت وجدتُ نفسي في الشارع بلا مأوى.> أفهم ما تعنيه بخصوص لندن. لندن مهولة ومتعِبة وقاسية. لا يرى فيها الناسُ الناسَ٬ وسرعة الحياة هناك مرعبة. تبتلعك المدينة بقطار الأنفاق تحت الأرض وبالجوّ البائس فوقها. لا عجب أنها كسرت چيسته. في يوم الإعلان عن صفقة القرن٬ تصلني رسالة منها: <قرأتُ الأخبار. أنا آسفة.> ثمّ تطرق باب غرفتي بعد دقائق وفي يديها كوبان من الشاي. كيف لا أحبّ چيسته؟ أخبرها بأني سأكتب عنها٬ وتضحك ساخرة: أوك٬ بت ميك مي لوك انترستينگ.
آمنتُ مؤخرًا أني أفضّل المدن الصغيرة و<المكنكنة> لأنها عادة أجمل. لقد عثرتُ على الزقاق المثالي الذي حلمنا أن نتمشّى به؛ أينك الآن؟ ها٬ وينك؟ الطريق هادئ رغم صغره (أو ربما بسبب صغره؟)؛ تكسوه حصاة الرصف الرمادية٬ تمامًا كما تخيّلناه٬ وتطلّ البيوت والمحالّ عليه يمينًا ويسارًا. تختلط رائحة الأجبان الطازجة عند بائعي الجوار مع رائحة الشواء على العربات المتجولة. ليس للمطر هنا رائحة٬ تخيّل؟ ألوان الحيطان هادئة: بيضاء٬ صفراء٬ رمادية. ليس هناك أيّ أحبال للغسيل٬ وليس هناك غسيل. لكن هنالك بضع الشرفات اللطيفة٬ تغزوها أشعة الشمس في الأيام الحنونة٬ وتزيّنها قوارير الورد المزركشة. قلبي الصغير لا يحتمل هذا الجمال حقًا؛ وينك؟ ينتهي الزقاق إلى حقل أخضر واسع٬ ثم النهر. تبهرني الأنهار في هذه البلاد٬ وأضحك من البحار. لا٬ لن أخوض نقاش البحر والمحيط. ولن أقوم برمسنة بحرنا المليء بالمجاري٬ لن أشتاق لجلسات الصديقات٬ ولا لساعات الضحك٬ ولا للقهوة البرجوازية بخمسة شواكل٬ ولا… حسنًا٬ سأخرس. باعتقادي فيروز لخّصت مشاعري تجاه غزة وشاطئها حين غنّت: <إذا رجعت بجنّ٬ وإن تركتك بشقى. لا قدرانة فِلّ٬ ولا قدرانة ابقى.> زرت شاطئين هنا. كلاهما رماديّان. تبّا أين الزُرقة؟ ما هذه الكآبة؟ فليكن النهر إذن. هو لا شكّ صديقٌ خلّاب٬ ورفيقٌ جيّد لساعات المشي الصامتة.
بِتُّ أقيس المسافات بالأغاني التي أسمعها في الطريق. أقيس الشوارع والطرق بالأغاني، وأحفظها بالأغاني. من السكن للمكتبة ست أغان؛ من المكتبة للكلية أغنية؛ من الكلية لمركز المدينة ثلاث؛ وهكذا. على مكتبي خمس روايات٬ وسيرتان ذاتيتان٬ وأربعة كتب نقد أدبي. أكره النقد الأدبي النسويّ؛ ولا أريده إطارًا نظريًا لدراستي. لا أعذر تعاليه على النسوية في الساحات٬ ولا تواطؤه مع النسوية البيضاء (لا أدري أي منهما بدأ إعادة إنتاج الآخر)٬ ولا انفصاله عن الواقع الذي تعيشه النساء ذوات البشرة غير البيضاء. أعرف أعرف٬ صوابيّتك السياسية تمنعك من انتقاد النقد الأدبي النسويّ٬ تمامًا كما تمنعك مثلًا من إبداء الإعجاب برواية مثل لوليتا. تفكّر أنت باستمرار: <مروّع! پيدوفيليا!> وأنا أجيبك في عقلي: <نعم. ونصٌّ بديع>. أنت سريع الغضب٬ وبذيء اللسان٬ وبطبيعة الحال ضيق الأفق. لن تعيَ ما أقول٬ فلا أقولُه. لسنا سواءً: أنت تعيش خارج النص٬ وأنا لسوء حظّي أسكنه. قمتُ هذا الأسبوع بتسليم ٧٦٠٠ كلمة. بعض الأفكار الشيّقة٬ والكثير من الهراء. كان من الممكن أن أتمهّل٬ أن أراجع النصّ قبل إرساله للمشرف٬ أن أملأ الحواشي السفلية بمراجع عديمة الفائدة٬ أن أضيف خاتمة إيجابية وفاءً للكيتش٬ إلا أني صدقًا لم أطق النظر إلى ملف الوورد دقيقة أخرى. تدور صياغة الإيميل في رأسي: <أعتذر بشأن الرداءة؛ كان عليّ الانتهاء من هذا الفصل في الوقت المخصّص.> أكتب وأمسح. أكتب. وأمسح. ينتهي بي المطاف إلى إرسال بريد إلكتروني رسمي٬ خال من أي اعتذار٬ ويتظاهر بالحزم والإمساك بزمام الأمور. ترعبني فكرة أني لا أملك <رفاهية الانهيار>. ليس الاستسلام خيارًا قائمًا. عليّ المواصلة والركض٬ لكني في الحقيقة متعبة. وخائفة. وأشتاق لماما.
أحاول فهم مشاعري تجاه الأماكن والمدن عبثًا. قبل خمس سنوات كنت في مدينة درم. كانت مشاعري نحوها واضحة. درم بيضاء٬ إحصائيًا وفكريًا. لكني أحببتها٬ وما زلت أحبّها. هي صغيرة أليفة٬ ونهرها جميل (على عكس التيمز)٬ وجسورها مبهرةٌ تنام وتصحو على عهدنا٬ وكانت أول هروب من غزة بعد عدوان ٢٠١٤. كانت أول مسكن لي بعد جباليا٬ جباليا التي -بمناسبة الحديث عن مشاعرنا المعقدة تجاه الأماكن- أحبّ وأكره. كيمبريدج -المدينة والجامعة- بيضاء أيضًا. يسكن المدينة الكثير من الكوپلز البيض من كبار السن الأثرياء٬ يبتسمون لك في الشارع ثم يُصوّت أغلبهم لليمين. الجسد الطلابي في الجامعة نفسها في أغلبه يساريّ التوجه ويحاول أن يجابه العنصرية المؤسساتية في الجامعة على صعيد يومي (وشخصي للبعض). حقيقة لا أعرف مشاعري تجاه كيمبريدج حتى اللحظة٬ وليس هذا مهمًا في هذه المرحلة. أنا أقرّ بجمالها٬ وجمال نهرها وأبقارها وطرقاتها الفرعية. الجمالُ إذن؛ البحث عنه؛ السعي الدائم إليه… هذا ما ينقذني الآن حين أشتاق لماما ويضيق الكون بوسعه. تتحدث الأرصاد الجوية عن يوم مثلج في المدينة خلال أسبوع؛ هممم٬ ثلجٌ في آذار. أتمنى أن أكون مستيقظة هذه المرة. وأن تكون نافذتي مفتوحة. وأن أشاهد سقوط الثلج.

